السيد عبد الأعلى السبزواري

9

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ويصحّ أن يراد من القيوم مقوّم وجود كلّ موجود حدوثا وبقاء . كما يصحّ أن يراد به مقوّم حياة كلّ ذي حياة ، حيوانية كانت أو نباتية . ويصحّ أن يراد به قيوم كمال كلّ ذي كمال . والحقّ هو الأخير وسائر المعاني منطوية فيه ، ولذا عقّبه سبحانه وتعالى بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 7 ) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ، لأن ذلك من شؤون حياته وقيوميّته المطلقة . والحيّ والقيوم من أعظم الأسماء الحسنى . والأول من أسماء الذات ، بل الثاني أيضا إن رجع إلى الحكمة التامّة التدبيرية والقدرة الجامعة التامّة ، كما يصحّ أن يكون برزخا بين اسم الذات واسم الفعل باختلاف الجهة . وإنما ذكرهما سبحانه هنا وفي آية الكرسي [ 255 من سورة البقرة ] ، لأنهما دون لفظ ( اللّه ) وفوق باقي أسمائه المباركة إلا الاسم الأعظم ، بناء على كونه من مقولة اللفظ كما يظهر من بعض الروايات ، ويصحّ أن يكونا من بعض أجزائه التي من علم خصوصيات التركيب يؤثّر الأثر المطلوب . ويمكن أن يستدلّ بهذه الآية الشريفة على وحدة المعبود ، بأن يقال إنه لا بد أن يكون حيّا قيوما ، والحيّ القيوم منحصر في واحد عقلا ونقلا ، فالمعبود منحصر بواحد كذلك . وافتتاح هذه السورة بهذه الجملة المباركة الجامعة لجميع صفات الجلال والجمال يدلّ على كمال الاعتناء بها ، وحقّ لها أن تكون سورة الاصطفاء . وفيها التعليل لما ورد في الآية التالية ، أي اللّه الذي هو واحد في ألوهيته وذو الحياة الكاملة ، والقائم على تدبير خلقه بأحسن نظام وأتم حكمة ، لقادر على أن ينزل الكتاب الفارق بين الحقّ والباطل ، ولا يخفى عليه أمر مخلوقاته ، فمن آمن بما أنزل على رسله فقد فاز ، ومن كفر فقد خاب وسيجزيه اللّه ، أنه عزيز ذو انتقام . قوله تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ . المراد بالكتاب القرآن الكريم ، والباء في ( بالحق ) إما في موضع الحال ، أو